نـــــــار الحـــــــب
منتديات نار الحب ترحب بكم وتتمنى لكم قضاء وقتا ممتعا


منتدى ثقافى - منتدى علمى - ترفيهى - اخبارى -أدبى
 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول
ترحب ادارة منتيات نار الحب بالأعضاء الجدد والزوار ونتمنى ان نكون عند حسن ظن الجميع بتفاعلكم معنا

شاطر | 
 

 الحسنات يذهبن والسيئات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
red rose
المشرف العام
المشرف العام
avatar


مُساهمةموضوع: الحسنات يذهبن والسيئات   الإثنين 9 أغسطس 2010 - 15:24

الحسنات يذهبن والسيئات
إن الحمد لله …
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تعالى: إن الله حمد أفعالاً هي الحسنات ووعد عليها، وذم أفعالاً هي السيئات وأوعد عليها، وقيد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة فقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [(16) سورة التغابن]، وقال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [(286) سورة البقرة].
وقال أيضاً -رحمه الله-: فعل الحسنات له آثار محمودة في النفس وفي الخارج، وكذلك السيئات، والله تعالى جعل الحسنات سبباً لهذا والسيئات سبباً لهذا، كما جعل السم سبباً للمرض والموت، وأسباب الشر لها أسباب تُدفع بمقتضاها، فالتوبة والأعمال الصالحة يمحى بها السيئات، والمصائب في الدنيا تكفر بها السيئات.
لي معك يا أخي المحب في هذه المحاضرة عشر وقفات كلها في موضوع الحسنات والسيئات.
أولاً: معنى الحسنات والسيئات.
ثانياً: الفرق بين الحسنات والسيئات.
ثالثاً: سبب تتابع الحسنات والسيئات.
رابعاً: لماذا يرتكب الناس السيئات.
خامساً: بعض سنن الله في السيئات.
سادساً: بعض سنن الله في الحسنات.
سابعاً: إن الحسنات يذهبن السيئات.
ثامناً: وبلوناهم بالحسنات والسيئات.
تاسعاً: سيئات نغفل عنها.
عاشراً: الحسنات ميدانها واسع.
فنبدأ على بركة الله:
أولاً: معنى الحسنات والسيئات:
هي جمع حسنة وسيئة، والحسنة يعبر عنها عن كل ما يسرّ من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، والسيئة تضادها من ما يغمّ الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، ومن الأحوال النفسية والبدنية.
والحسنة والسيئة ضربان:
أحدهما: بحسب اعتبار العقل والشرع من نحو المذكور في قوله تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} [(160) سورة الأنعام].
الثاني: حسنة وسيئة باعتبار الطبع، وذلك ما يستخفه الطبع وما يستثقله، ومنه قول الباري -جل وعز-: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [(95) سورة الأعراف] أي مكان الجدب والسَنَة، الخِصب والحياَ.
وقد جاء في القرآن الكريم الحسنات بمعنى النعم، والسيئات بمعنى المصائب، وورد الحسنات بمعنى الأعمال المأمور بها، والسيئات بمعنى الأعمال المنهي عنها، فمن الأول، أي النعم والمصائب قول الله تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} [(120) سورة آل عمران]، وقوله تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [(168) سورة الأعراف] أي بالنعم والمصائب.
ومن الثاني أي الأعمال المأمور بها والمنهي عنها قوله تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [(84) سورة القصص]، وقوله سبحانه: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [(70) سورة الفرقان].
ثانياً: الفرق بين الحسنات والسيئات:
إن الفرق بين الحسنات والسيئات فرق كبير كما بين السماء والأرض، إليك بعض هذه الفروق:
الفرق الأول: أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع ابتداءً بلا سبب منهم أصلاً، فهو تنعم بالعافية والرزق والنصر وغير ذلك، على من لم يعمل خيراً قط، بل وينشئ للجنة خلقاً يسكنهم فضول الجنة، وقد خلقهم في الآخرة لم يعملوا خيراً، ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة برحمته بلا عمل، وأما العقاب فلا يعاقب أحداً إلا بعمله.
الفرق الثاني: أن الذي يعمل الحسنات –إذا عملها– فنفس عمله الحسنات هو من إحسان الله وبفضله عليه بالهداية والإيمان، كما قال أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} [(43) سورة الأعراف].
أما السيئة فلا تكون إلا بذنب العبد، وذنبه من نفسه.
الفرق الثالث: أن الحسنة يضاعفها الله -جل جلاله- وينميها، بل ويثيب على الهمّ بها، والسيئة لا يضاعفها، ولا يؤاخذ على الهمّ بها، فيعطي صاحب الحسنة من الحسنات فوق ما عمل، وصاحب السيئة لا يجزيه إلا بقدر عمله، قال الله تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [(160) سورة الأنعام].
الفرق الرابع: أن الحسنة مضافة إلى الله؛ لأنه -عز وجل- هو الذي قد أحسن بها من كل وجه، فهو قد جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، التي من خلالها ندرك ونعمل الحسنة، وهو الذي ألهمنا الإيمان وهدانا إليه كما قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ* فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} [(7-Cool سورة الحجرات].
أما السيئة فهو الذي خلقها ولا شك في هذا عندنا أهل السنة والجماعة، لكن خلقه لها لحكمة وبحكمة، وهي أيضاً باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب -جل وعز- لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير، ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ((والشر ليس إليك)) فإنه لا يخلق شراً محضاً، فكل ما يخلقه ففيه حكمة، وقد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي إضافي، فأما الشر الكلي والشر المطلق فالرب منـزه عنه، وقد ضل في هذا الباب فِرقٌ، فهدى الله معاشر أهل السنة لما اختَلَفَ فيه غيرهم من الحق بإذنه.
الفرق الخامس: أن ما يُبتلى به العبد من الذنوب فهو عقوبة له على عدم فعله ما خلقه الله له، وفطره عليه، فإن الله إنما خلقه لعبادته ودله على الفطرة، فهو لمّا لم يفعل ما خُلق له وما أُمر به من معرفة الله وعبادته، عُوقب على ذلك بأن زَين له الشيطان ما يفعله من السيئات قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [(99-100) سورة النحل].
فهل علمت الآن يا عبد الله بأن ما بُليت به من فعل المنكرات والجرائم والسيئات، إنما هو عقوبة لك من الله؛ لأنك لم تمتثل ما خُلقت من أجله قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ* وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} [(201-202) سورة الأعراف]؟
إذن: إخلاص الدين لله الذي هو فعل الحسنات، يمنع من تسلط الشيطان الذي هو الوقوع في السيئات، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [(24) سورة يوسف].
ثالثاً: سبب تتابع الحسنات والسيئات:
هل تعلم يا أخي الحبيب بأن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، والسيئة الثانية قد تكون من عقوبة الأولى؟ وهذه قاعدة عظيمة في باب الحسنات والسيئات، وفقه عظيم لمن وفقه الله تعالى، وقد دل على هذه القاعدة العظيمة كتاب الله تعالى في آيات كثيرة، استمع إلى بعضها:
قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا* وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا* وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [(66-68) سورة النساء].
فالعبد إذا فعل ما يوعظ به، وهو ما ينبغي عليه فعله من العلم والعمل -وهذا لا تخالفني أنه هو الحسنات- فماذا يكون ثمرتها؟
انه يترتب عليها أربعة أمور أحدها: الخيرية في قوله تعالى – لكان خيراً لهم – الثاني: حصول التثبيت، فان الله يثبت الذين آمنوا، وهذا التثبيت في هذه الآية هو من ثواب الحسنة الأولى وبسبب ما قاموا به من الإيمان. الثالث: {وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا}، وهذا يكون في العاجل ويكون في الآجل.
الأمر الرابع: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}: الهداية إلى صراط مستقيم، وهذا عموم بعد خصوص، لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم، فمن هدي إلى صراط مستقيم فقد وفق لكل خير.
وأيضاً مما يدل على قاعدة أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، والسيئة الثانية قد تكون من عقوبة الأولى قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [(69) سورة العنكبوت]، والذين جاهدوا فينا وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاة الله، الذي هو فعل الحسنات، هؤلاء ما ثوابهم؟
{لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، وهذا ثواب ما فعلوه من الحسنات، لنهدينهم سبلنا، قال ابن كثير: أي لنبصرنهم طرقنا في الدنيا والآخرة.، قال بعض السلف عن هذه الآية، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون.
ومن الدلالات على هذه القاعدة العظيمة أيضاً قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى} [(10) سورة الروم]، والآية واضحة في أن السيئة الثانية هي من عقوبة فعل الأولى، نسأل الله الستر في الدنيا والآخرة.
وأيضاً قوله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [(44) سورة فصلت].
الحديث هنا عن القرآن، فالذين يؤمنون به يكون لهم هدىً وشفاء، أما أولئك الذين أعرضوا عنه باختيارهم - وهذا هو السيئة- عوقبوا بسيئة أخرى بعدها، وهو أنه صار في آذانهم وقر، وهو عليهم عمى.
قال العلامة الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-: فإنهم إذا ردوا الحق، ازدادوا عمى إلى عماهم، وغياً إلى غيهم.
وقال تعالى أيضاً: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ* ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} [(1-3) سورة محمد]، وآيات أخرى كثيرة في كتاب الله تدل على هذه القاعدة الجليلة في باب الحسنات والسيئات لمن تدبرها وتأملها.
فأنت يا أخي الحبيب عندما تجد نفسك ثقيلاً على فعل الطاعات في بعض الأحيان، هل خطر في بالك يوماً من الدهر أنك معاقب؟
نعم عقوبة من الله -جل جلاله- بسبب تلوثك وتلطخك بمعصية قبلها، وهكذا سيئة تتبع أختها -والعياذ بالله- حتى تكون كالأغلال والقيود على عنق صاحبها.
وفي المقابل لو وجدت من نفسك رغبة في عمل الخير ونشاط وهمة، فاعلم بأن هذا ثواب عاجل يسوقه الله لك في الدنيا نتيجة حسنة قبلها.
قال شيخ الإسلام: وإذا كانت السيئات التي يعملها الإنسان قد تكون من جزاء سيئات تقدمت وهي مضرة جاز أن يقال هي مما أصابه من السيئات وهي بذنوب تقدمت. [انتهى (14/245 الفتاوى )]
رابعاً: لماذا يرتكب الناس السيئات؟:
يجيب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله تعالى عليه- على هذا السؤال فيقول: بأن السيئات منشأها الجهل والظلم، فان أحداً لا يفعل سيئة قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها، والإنسان لا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها، أو لبغض نفسه لها
إذن: السيئات كلها ترجع للجهل، لكن لابد أن يعلم أيضاً بأن الغفلة والشهوة أصل الشر كما قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [(28) سورة الكهف]، فالهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل.
يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وإلا فصاحب الهوى إذا علم قطعاً أن ذلك يضره ضرراً راجحاً انصرفت نفسه عنه بالطبع؛ فان الله تعالى جبل في النفس حباً لما ينفعها وبغضاً لما يضرها، فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضرراً راجحاً، بل متى فعلته كان لضعف العقل". انتهى.
فأصل ما يوقع الناس في السيئات الجهل، وقد قال بعض الصحابة بأن كل من عصى الله فهو جاهل، وفسروا بذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [(17) سورة النساء]، وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [(54) سورة الأنعام].
إذا كان الأمر كذلك وهو أن وقوع الناس في السيئات لها علاقة قوية بالجهل، فان الدور الذي ينتظرني وينتظرك أنت أخي الحبيب، بل وينتظر كل الدعاة والشباب وطلبة العلم هو رفع الجهل عن الناس، تفقيه الناس بأمور دينهم.
إذا أردنا أن يقل المنكرات التي نشتكي منها في المجتمع، والمنكرات كلها سيئات، وإذا أردنا أن يقلع الناس عن المعاصي والمعاصي كلها سيئات، وإذا أردنا أن يقل نسبة الجريمة، والجرائم باتفاقنا جميعاً كلها سيئات، فعلينا أن نسعى جادين في رفع الجهل عن الناس، علينا أن ننشط في الدعوة إلى الله، أن نبذل من أوقاتنا ومن أعمارنا، بل ومن أنفسنا في تعليم الناس، في توجيه الناس، في انتشال الناس من وحل الخطيئة والمعصية والسيئة، إلى رياض العلم والهدى والإيمان والحسنة، وذلك بتكثيف الدروس والمحاضرات، والذي لا يباشر هذا بنفسه يمكنه استقطاب غيره معه، والبذل في توزيع الكتاب الإسلامي والشريط الإسلامي، ولا طريق غير العلم في تعريف الناس بربهم ودينهم، وكلما ازداد معرفة الناس بالله، وازداد حب الناس للدين، قلت السيئات وحل محلها الحسنات، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [(28) سورة فاطر].
نعم العلم والتعليم يورث خشية الله، والخوف من الله الذي هو استبدال السيئات حسنات.
خامساً: بعض سنن الله في السيئات:
لله -جل وتعالى- سنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل؛ {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [(43) سورة فاطر]، ومن جملة تلكم السنن، سننه تعالى في السيئات:
فمن هذه السنن: أن السيئة تستوجب الجزاء عليها بغض النظر عن فاعلها، فسنة الله تعالى في عمل السيئات وما يترتب عليها سنة عامة تسري على جميع الخلق ولا تتخلف عن فرد أو أمة أو جماعة، فلا محاباة لأحد، فالله تعالى هو رب العالمين، وهو رب الأولين والآخرين، والكل أمام هذه السنة سواء، الذكر والأنثى، الحر والعبد، الأمير والمأمور، الحاكم والمحكوم، فكل من يعمل سيئة سيلقى جزائها، قال الله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [(123) سورة النساء].
ومن سنن الله في السيئات: أن السيئات تهلك أصحابها: قال الله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [(6) سورة الأنعام]، والآية واضحة لا تحتاج إلى تفسير؛ {فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ}، فالذنوب تهلك أصحابها، وهذه سنة ماضية وان لم نشاهدها في أعمارنا القصيرة، لكنها سنة ثابتة تخضع لها الأمم حين تفشو فيها السيئات، وتظهر فيها روائح المنكرات، ويصبح القبيح علناً، ويصبح الخير سراً، فإنها والحالة هذه فإنها تهلك إما بقارعة من الله تعالى، كما كان يحدث في هلاك الأمم السابقة، وإما بالانحلال البطيء الطبيعي الذي يسري في كيان الأمة، وهي توغل في متاهات السيئات والمعاصي وتحسب أنها في أمان من الهلاك والعياذ بالله.
ومن سنن الله أيضاً في السيئات: أن السيئات تسقط الدول وان كانت قوية: إن الانحراف عن منهج الله، والبعد عن شريعة الله، الذي هو من كبريات السيئات، يزيل الدول، ويسقط الحضارات وان كانت قوية، فالقوة بغير منهج الله بعده ضعف، وهذا له شواهد من الماضي والحاضر، قال الله تعالى في تقرير هذه السنة، {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} [(21) سورة غافر]، فأين دولة فارس؟ وأين حضارة الروم؟ وأين حضارة اليونان؟ بل وأين الاتحاد السوفيتي في وقتنا الحاضر، ثاني قوة في العالم في وقته؟ زالت وذهبت لبعدها عن منهج الله، وتنكبها للصراط المستقيم وغرقها في الذنوب والسيئات.
وما تشاهدون اليوم من دول راسخة قوية فيما يبدوا للناس، فإن مآلها إلى الزوال والانحلال والسقوط، لو استمرت في مزاولة السيئات.
وأيضاً من سنن الله في السيئات: أن السيئات تضعف مقاومة المؤمن للشيطان: قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [(155) سورة آل عمران].
السيئات أيها الأحبة كالأمراض، بل هي أمراض فعلاً، والمرض ماذا يفعل بالإنسان؟ يضعف مقاومته، وتفتح ثغرة في البدن تتسلل منها الجراثيم، وكذلك السيئات تضعف بدن صاحبها، وتفتح فيها ثغرات يتسلل منها شياطين الإنس والجن، وتعمل عملها في هذا الإنسان، فان لم يتغمده الله ويوفقه لتوبة من هذه السيئات، وإلا فالهلاك والعياذ بالله.
ومن السنن أيضاً: أن السيئات سبب المصائب: قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [(30) سورة الشورى]: أي ما أصابكم أيها الناس أي مصيبة من مصائب الدنيا كالمرض وسائر النكبات والأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام والقحط والغرق وأشباهها {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}: أي بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها، وبسبب السيئات التي تفعلونها، {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}، فالله -عز وجل- لم يؤاخذنا على كل ما نعمل، بل بعضها، والكثير منها فهو يعفو عنها سبحانه، لا يعاقبنا عليها عاجلاً وقيل: آجلاً، فكيف لو حاسبنا وآخذنا على كل شيء، والله المستعان.
سادساً: بعض سنن الله في الحسنات:
وبعد ما سمعت طرفاً من سنن الله في السيئات، إليك بعض السنن في الحسنات:
من هذه السنن: أن الحسنات طريق التقوى: فكلما زاد العبد من الحسنات زاده ذلك تقوى قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [(21) سورة البقرة]، وقال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [(183) سورة البقرة]، فالعمل الصالح والعبادة طريق التقوى.
ومن السنن أيضاً: نصر الله -جل جلاله- لأهل الحسنات: قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [(51) سورة غافر]، وهذا النصر يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، أما في الحياة الدنيا فبالقتال وبالحجة، وإن غُلبوا في بعض الأحيان امتحاناً لهم من الله، وفي الآخرة فبالفوز بالجنة.
ومن السنن أيضاً: أن أهل الحسنات هم الأعلون: قال الله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [(139) سورة آل عمران]، الأعلون في كل شيء، رفعة عند الله، ورفعة عند الناس، سعادة في الدنيا، وسعادة في الآخرة، أهل الحسنات لا يعرفون الذلة ولا المهانة ولا الدنو، ولا يرضون به أبداً؛ لأنهم الأعلون بحكم الله -عز وجل-.
ومن السنن: أنه لا سبيل لأعداء الشريعة على أهل الحسنات: قال الله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [(141) سورة النساء].
إن أعداء الدين بجميع مللهم ونحلهم يهوداً كانوا أو نصارى، منافقين كانوا أو علمانيين لن يكون لهم سبيل على المؤمنين أبداً.
وكلمة "سبيل" هنا نكرة في سياق النفي، يفيد العموم كما يقول أهل العلم، أي انتفاء كل سبيل، سبيل الحرب وسبيل العلم وسبيل السياسة، لكن متى؟ عندما نكون من أهل الحسنات حقيقة، عندما نكون مؤمنين حقيقة، وتقوم حقيقة الإيمان في نفوسنا.
ومن السنن: النجاة لأهل الحسنات: قال الله تعالى: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ* ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ} [(102-103) سورة يونس]، هل ينتظر هؤلاء الذين يلطّخون أنفسهم بالسيئات، هل ينتظرون مثل أيام الذين خلوا من قبلهم من الهلاك والعقاب، فان سنة الله جارية في الأولين والآخرين، ومن سنة الله النجاة لأهل الحسنات، إذا نزل العقاب بأهل السيئات، {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ}، وهذا حق أوجبه الله على نفسه، فمن السنن أن الله يدافع عن الذين آمنوا فبحسب ما مع العبد من الإيمان والحسنات، تحصل له النجاة من المكاره في الدنيا والآخرة، إذن: فليكن منك هذا على بال.
ومن السنن: المتاع الحسن لأهل الحسنات: المراد بالمتاع الحسن، تيسر سبل العيش، العيش الرغيد والحياة المريحة، وهذا يكون لأهل الإيمان والتقوى والعمل الصالح، قال الله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [(1-3) سورة هود]، فقوله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ}: من ماذا؟ من عمل السيئات، {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} بعمل الحسنات، النتيجة: {يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا}: أي يعطيكم من رزقه ما تتمتعون به وتنتفعون، {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} كل ذي فضل، من هُم؟ إنهم أهل الإحسان إنهم أهل الخير، إنهم أهل الحسنات، {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}، من المتاع الحسن، والحصول على ما يحبون؛ لأنهم أهل الحسنات.
قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [(97) سورة النحل]: وهذا وعد من الله -جل جلاله- لأهل الحسنات أن يجزيهم في هذه الدنيا حياةً طيبة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.
ومن السنن: أن أهل الحسنات هم الذين يرثون الأرض: قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [(105) سورة الأنبياء]، نعم الأرض كلها لا جزءً منها أو طرفاً من أطرافها أو دولةً من دولها، بل الأرض كلها لا يرثها إلا العباد الصالحون، إن الأرض لا يصلح أن تكون إلا تحت سيطرة أهل الدين والشرع، وإن كانت الآن يتحكم فيها الكفار أو في كثير من بقاعها لكن النهاية والغلبة لأهل الحسنات، لاشك عندنا في ذلك، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل عزاً يعزّ الله به الإسلام وذلاً يذلّ به الكفر)) [رواه ابن حبان في صحيحه].
إنه لا خوفٌ عليكم يا أهل الحسنات، فوراثة الأرض لكم والعز والتمكين لكم، ولا يسوءكم ما فيه المسلمون اليوم من ذلّة ومهانة، فإن هذا ليس هو الأصل، بل هي فترة مؤقتة لحكمة من الله العليم الحكيم، ولابد لهذا الليل من فجر، ولابد لهذه الغُمّة من انقشاع، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. قال شيخ الإسلام -رحمه الله- تعالى: إن الله يأمر بالإيمان والعمل الصالح، ويحب الحسنات ويرضاها، ويكرم أهلها ويثيبهم ويواليهم ويرضى عنهم ويحبهم ويحبونه، وهم جند الله المنصورون، وحزب الله الغالبون، وهم أولياؤه المتقون، وحزبه المفلحون، وعباده الصالحون أهل الجنة، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وهم أهل الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وان الله نهى عن السيئات: من الكفر والفسوق والعصيان، وهو يبغض ذلك ويمقت أهله ويلعنهم، ويغضب عليهم ويعاقبهم ويعاديهم، وهم أعداء الله ورسوله، وهم أولياء الشيطان وهم أهل النار، وهم الأشقياء لكنهم يتقاربون في هذا ما بين كافر وفاسق، وعاص ليس بكافر ولا فاسق" [انتهى (الفتاوى 8/235)]
سابعاً: إن الحسنات يذهبن السيئات:
من منّا لا يرتكب السيئات؟ كلنا ذلك الرجل، لكن منّا المكثر ومنّا المقلّ، والله المستعان.
الله جل جلاله يرشدنا في قوله تعالى في سورة هود: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [(114) سورة هود] يرشدنا سبحانه في هذه الآية إلى قاعدة مهمة جداً في باب الحسنات والسيئات، وهو أن الحسنات تُذهب السيئات، فالحسنات مع أنها تقرّب إلى الله وتوجب الثواب، فإنها أيضاً تُذهب السيئات وتمحوها، قال -عليه الصلاة والسلام- لأبي ذر: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) [رواه الترمذي].
ذكر علماء التفسير أن آية سورة هود نزلت في رجل من الأنصار خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون الجماع، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره فأنزل الله: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [(114) سورة هود]، فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: ((لجميع أمتي كلهم)).
لكن لابد أن نعلم بأن الآية عام في الحسنات خاص في السيئات، بمعنى أنه لا يلزم أن تكون الصلاة فقط هي الحسنات التي يمحى بها السيئات، بل حسنات جميع الأعمال تمحو السيئات، وان كانت الصلاة هي أعظم الأعمال، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الإمام أحمد: ((ما من مسلم يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له)).
وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "هكذا رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ وقال: ((من توضأ وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدّثُ فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)).
إذن: فاللفظ عام في الحسنات وأعظمها الصلاة، خاص في السيئات، أي أن هذه الحسنات لا تمحو كل السيئات فقوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [(114) سورة هود]: نوع منها وهي الصغائر، فإن الأحاديث الصحيحة قيدتها في مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر))، بل كما قيدتها الآية من سورة النساء: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا} [(31) سورة النساء]، فالحسنات تمحو وتذهب صغائر السيئات، أما كبائر ما تنهون عنه فلا بد لها من التوبة بشروطها المعروفة.
فتدارك نفسك يا عبد الله، فان الله -جل وعز- قد جعل لأهل السيئات ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها من سيئاتهم هنا في الدنيا، فإن وصل العبد إلى مرحلة لا تكفيه هذه الأنهر الثلاثة كان لابد له من النهر الرابع يوم القيامة لتطهيره من سيئاته.
هل تعلم ما هي أنهر الدنيا الثلاثة: إنها نهر التوبة، ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها، ونهر المصائب العظيمة المكفرة، فإذا أراد الله بعبده خيراً أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة، فيجيء يوم القيامة طيباً طاهراً فلا يحتاج إلى التطير الرابع الذي هو نهر الجحيم نسأل الله العافية.
ثامناً: وبلوناهم بالحسنات والسيئات:
هذه جزء من آية في سورة الأعراف: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [(168) سورة الأعراف]، ومعنى بلوناهم أي اختبرناهم، وبماذا يكون الاختبار؟ بالحسنات تارة وبالسيئات تارة، بالنعم تارة وبالمصائب تارة، بالشدة تارة وبالرخاء تارة، فالله -عز وجل- له الحكمة البالغة، فهناك صحة وهناك مرض، وهناك غنى وهناك فقر، {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ}، وأنت في كلا الأمرين واقع تحت الاختبار والامتحان، فبعض الناس يجتاز اختبار الحسنات ويسقط في امتحان السيئات، فان أعطي رضيَ، وإن منع إذا هم يسخطون،{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [(11) سورة الحـج]، في حال الرخاء والنعم والصحة والعافية يعبد الله على حرف، لكن ما أن تصيبه فتنة نسأل الله السلامة انقلب على وجهه.
والبعض الآخر يجتاز امتحان السيئات ويسقط في الحسنات، في حال الشدة والمضايقات يصبر، بل لو ضرب أو سجن في سبيل الله يصبر ويتحمل ويجتاز الفتنة كالذهب إذا أدخل النار، لكن هذا الإنسان نفسه الذي صبر في المصائب يسقط -نسأل الله العافية- في اختبار الحسنات، فلو فتحت عليه الدنيا وأتاه نعم الله، بدأ بالتفلت والتنازل، بل لو أعطي منصباً أو جاهً أو مركزاً أو شيئاً ولو يسيراً من لعاعة هذه الدنيا، لتنازل عن أشياء كثيرة كان يرى خلافها قبل ذلك، وهذه هي حيل بعض أعداء الملة مع بعض الناس، فالبعض يفتنونهم عن دينهم تحت ضغط الحديد والنار، والبعض يفتنونهم عن دينهم عن طريق المال والمنصب والمركز، قال الله تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} [(168) سورة الأعراف].
تاسعاً: سيئات نغفل عنها:
لو أردنا أن نتكلم عن السيئات بشكل عام فهي كثيرة وكثيرةٌ جداً، يصعب حصرها في مثل هذا المقام، فيدخل في السيئات الزنا والكذب والسرقة والغش والظلم ونحو ذلك، وهذه أمور واضحة أنها من الكبائر، ويعرفها الجميع، لكن في هذه الفقرة أُذكّر ببعض السيئات التي كثيراً ما نغفل عنها: فمن ذلك:
السكوت عن منكرات المجتمع: يظن بعض الناس أنه إذا اجتنب المنكرات ولم يقع فيها فإن هذا يكفي، شيء طيب أن تبتعد عن المنكرات، وأن تترك المحرمات، بل هذا هو الواجب عليك، لكن علمك بأن هناك منكرات في المجتمع، ومشاهدتك لها أحياناً والسكوت عنها، هذه أيضاً سيئة يجب عليك أن تتوب منها وتستغفر. صحيح أنها سيئة أخف من الفعل، لكنها سيئة، قال الله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [(25) سورة الأنفال]: قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً}: أي ذنباً، وفسروا هذا الذنب بإقرار المنكر في المجتمع.
ذكر ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال في هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقرّوا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب، وعلّق ابن كثير بعدها بقوله: "وهذا تفسير حسن جداً"
ومن السيئات التي نغفل عنها: عدم التأثر لأحوال المسلمين: إن حال الأمة اليوم لا يخفى على عاقل، أما غير العاقل فالقلم عنه مرفوع، ضرباتٌ توجه للأمة من كل مكان، نكباتٌ ومصائب تحل بالأمة في كل أرض، نساء ترمل، وأطفال وشيوخ يذبحون ذبح الشياة، وأحياناً يُقتل المسلمون حتى في مساجدهم، بل تنسف قرى كاملة بمن فيها، ومع كل أسف هناك فئة من البشر وممن هم يحسبون على أهل الإسلام وكأنه يعيش على كوكب آخر، لا يبالي ولا يهتم، ولو سمع قبل دقيقة بأن هناك مذبحة حصلت للمسلمين، فهو مستعد بعد دقيقة أن يضع رأسه على الفراش وينام قرير العين، موت القلب يصل إلى هذا الحد، فقدان المشاعر إلى هذه الدرجة، إذا كانت تعاليم الشرع تخبرنا على لسان رسولنا -عليه الصلاة والسلام- بأن المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فالتداعي والتأثر ماذا يعني؟
إنه يعني أنه جزء من هذا الجسد وهو الحسنة، وعدم التداعي وعدم التأثر هي السيئة التي نحذر منها، والتي نغفل عنها، فلو طُلبت تبرعات لجهة معينة حصل فيها ضرر على المسلمين، تجد المشاركين والمتبرعين قليل، لماذا؟ لا لعدم القدرة المالية، فالخير -والحمد لله- موجود، لكن لعدم الاهتمام، ولعدم إعطاء هذه القضية حرص وأهمية، فتكون المواقف سلبية، لكن قبل وبعد هذا لابد أن نعلم بأنها سيئة، وأن عدم تأثرنا لأحوال المسلمين سيئة سنحاسب عنها أمام الله يوم توزن الحسنات والسيئات.
عاشراً: الحسنات ميدانها واسع:
إن الحسنات ميدانها واسع ومفهومها شامل، يدخل فيها أعمال القلوب والجوارح في الظاهر والباطن، في القوى والملكات والمواهب والمدركات أعمال خاصة وعامة، فردية وجماعية.
هناك من الحسنات لو عملها الإنسان امتدّ معه الأجر إلى ما بعد الممات، صدقةٌ جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.
هناك أعمال يومية يقوم بها الإنسان إذا صحّت بها النوايا، واستقامت على الطريقة صارت كلها حسنات.
قال شيخ الإسلام في الاختيارات: قد يكون ثواب بعض المستحبات أو واجبات الكفاية أعظم من ثواب واجب.
إن ميادين الحسنات فسيحة، أعمال بدنية، وأعمال لسانية، وأعمال قلبية، فالشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج في مقدمة الحسنات، وبقية الواجبات والفرائض والمندوبات والمستحبات من الحسنات، ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)).
وإن أردتم مزيداً من طرق الحسنات، فبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الضيف، والجهاد في سبيل الله، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الداعي ونصرة المظلوم.
ومن سبل الحسنات أن تواسي فقيراً، وتكفل يتيماً وتنقذ غريقاً، وتساعد بائساً، وتنظر معسراً وترشد ضالاً، وتعين محتاجاً.
بل ومن الحسنات، هذا السؤال الطريف من الصحابي، مع الجواب الحصيف من النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال -عليه الصلاة والسلام- ((في كل ذات كبد رطبة أجر)) [متفق عليه].
((ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)) [متفق عليه].
ثم إليك جملة من الأعمال اللسانية، وكلها تصب في نهر الحسنات، ذكرٌ، ودعاءٌ وأمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وتعليم للعلم النافع، ناهيك عن الشفاعة الحسنة، تفك بها أسيراً، أو تحقن بها دماً، أو تجر بها معروفاً، أو تدفع بها مكروهاً، {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} [(263) سورة البقرة].
ثم التبسم في وجه أخيك، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكل قول جميل وكلام طيب منطوقاً أو مكتوباً أو مذاعاً أو منشوراً.
أما حسنات الأعمال القلبية فبابها واسع جداً، من الإيمان بالغيب، والحب والبغض، والغضب والرضا، والخوف والرجا، والخشية والصبر، والتذلل للمولى -جل جلاله- والانكسار بين يديه، وتعلق القلب بالمساجد، ومن ذلك الأعمال الفكرية من التخطيط والتفكير والتأمل والعزم والتصميم، بل النيات والمقاصد لها في الإسلام شأن عظيم، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
ومن الحسنات هذه الأحاديث الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:
- عن معاوية بن قرة قال: كنت مع معقل المزني، فأماط أذى عن الطريق، فرأيت شيئاً فبادرته، فقال: ما حملك على ما صنعت يا ابن أخي؟ قال: رأيتك تصنع شيئاً فصنعته، فقال: أحسنت يا ابن أخي، سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من أماط أذى عن طريق المسلمين كتب له حسنة، ومن تُقُبِّلت له حسنة دخل الجنة)) [رواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح].
- وعن ابن عمر مرفوعاً قال: ((من أذّن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل مرة ستون حسنة، وبإقامته ثلاثون حسنة)) [رواه ابن ماجة والحاكم وغيرهما بسند صحيح].
- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة ومحي عنه سيئة)) [رواه الطبراني في الأوسط وهو صحيح].
- وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا ينـزعه إلا الصلاة، لم تزل رجله اليسرى تمحو سيئة وتكتب الأخرى حسنة حتى يدخل المسجد)) [رواه الطبراني في الكبير بسند صحيح].
- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر. فمن قال: سبحان الله كتبت له عشرون حسنة، وحطّت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر، مثل ذلك، ومن قال: لا اله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون خطيئة)) [حديث صحيح].
- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ يسبح الله مائة تسبيحة، فيكتب الله له بها ألف حسنة، ويحط عنه بها ألف خطيئة)) [حديث صحيح].
- وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات، كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)) [حديث صحيح].
فنسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً قلوباً صادقة، وأعيناً باكية، وألسنة ذاكرة...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحسنات يذهبن والسيئات
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نـــــــار الحـــــــب :: & الـمـنـتـدى الـعـام | General Forum & :: قسم اسلاميات-
انتقل الى: